كثرت المقالات حول الهوية الاقتصادية السورية في السنوات الأخيرة، لكن كل مقالة كانت ترى الهوية في زاوية محددة، غافلة الجوانب الأخرى من الهوية. وسنحاول في ورقتنا هذه تغطية كافة مقومات الهوية الاقتصادية السورية كما نراها.
تشمل هذه الورقة ثلاثة فصول، الفصل الأول يحدد مقومات الهوية الاقتصادية لأي بلد، والفصل الثاني يتتبع الهوية الاقتصادية السورية منذ الاستقلال وحتى اليوم، والفصل الثالث يغطي الهوية الاقتصادية السورية المرغوبة.
الفصل الأول مقومات الهوية الاقتصادية لأي بلد
تتحدد الهوية الاقتصادية لأي بلد بالمقومات السادسة عشر التالية:
كيفية توزيع الموارد: هل من خلال السوق وسيادة المستهلك consumer sovereignty، أو من خلال الأوامر الإدارية وسيادة المخطط planner’s sovereignty. وهذا المقوم الأول هو الأهم، ولكن قلما تعرض له الباحثون السوريون في موضوع الهوية الاقتصادية السورية، مركزين على مقومات أخرى.
وقد عرف العالم نماذجاً متعددة في كيفية توزيع الموارد، مندرجة ضمن واحدة من مظلتين كبيرتين، مظلة الرأسمالية (أو ما عرف بنظام السوق وسيادة المستهلك) ومظلة الاشتراكية المركزية (أو ما عرف بنظام الدولة وسيادة المخطط). وفي الحالتين لم يكن هناك أصولية بالمطلق، حيث كان هناك حالات مطعمة دائماً.
ملكية عوامل الإنتاج ما بين القطاع الخاص والعام والمشترك، أخذين بعين الاعتبار مدى الاحتكار ومدى التنافس بين القطاعات الثلاثة وهيمنة أي منهم. وفي الأنظمة الاشتراكية الغارقة بالتخطيط، تملك الدولة جميع عوامل الإنتاج ودون منافسة، بينما تبقى ملكية الإنتاج في اقتصاد السوق بيد القطاع الخاص مع منافسة أحياناً واحتكاراً أحياناً أخرى. وهناك احتمال وجود ملكيات مشتركة بين العام والخاص في حالتي اقتصاد السوق والاقتصاد الاشتراكي وهو ما يسمى "القطاع المشترك".
مدى توفر الموارد الطبيعية كالأرض والحراج، والموارد الباطنية كالنفط والفوسفات واليورانيوم والفحم، والموارد المائية من أنهار وأمطار، كما موارد الطاقات البشرية، بما فيه من هذا كله من كميات كل من هذه الموارد ونوعيتها وأماكن تواجدها وحسن استخدامها وهذه المواد هي التي تحدد القطاعات الاقتصادية الرئيسية في البلد، من زراعة وصناعة وسياحة ومصارف ونفط وغيرها.
مدى اعتماد البلد على موارده وطاقاته الوطنية مقابل انفتاحه على الخارج تجارياً واستثمارياً ومدى ارتباط مؤسساته العامة بالمؤسسات الدولية وارتباط مؤسساته الخاصة مع مؤسسات الأعمال الخارجية.
مدى الاعتماد على الاقتصاد الإنتاجي مقابل الاقتصاد الريعي الذي يشمل الاستثمار العقاري، والتحويلات الشخصية من الخارج والاقتصاد غير الرسمي والمساعدات الخارجية.
مدى الاعتماد على الاقتصاد الرقمي وتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات (ICT).
حجم الفجوة بين الريف والحضر (The urban-rural divide) في الاقتصاد.
مدى التوازن في توزيع الدخل بين الأفراد والتوازن التنموي الجغرافي بين المناطق.
مدى تطور القطاع المصرفي والقطاع المالي غير المصرفي.
استراتيجية التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تختارها الحكومة في ضوء المقومات أعلاه وفي ضوء المخاطر السياسية الداخلية، والمخاطر السياسية والعسكرية الخارجية.
اعتماد المركزية أو اللامركزية في الإدارة، ومدى كفاءة الجهاز الإداري للدولة مركزياً ومحلياً.
مدى اعتماد برامج الحماية الاجتماعية والتأمين الصحي وتعويض البطالة، ودور كل من القطاع العام والخاص في تقديم هذه البرامج.
مدى الحوكمة وسيادة الحكم الرشيد (good governance) الذي يشمل سيادة القانون والشفافية والمحاسبة والمساءلة في كل من مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، ومشاركة الشعب في التشريع وفي اتخاذ القرار.
مدى تحالف أهل السلطة وأهل الثروة واحتواء الفساد لغير الصالح العام.
مدى جودة واستمرارية القرار الاقتصادي.
صلابة واستقرار الإطار الاقتصادي الكلي، بما فيه مدى الفائض أو العجز في ميزانية الدولة وفي الميزان التجاري للبلد ومدى والتضخم وثبات سعر الصرف وحدود مديونية الدولة الخارجية والداخلية.
هذه في اعتقادنا هي المقومات الأساسية للهوية الاقتصادية لأي بلد، وهي الهوية التي تنطلق منها سياسات البلد الاقتصادية والمالية والنقدية وسياستها الخارجية من جهة، كما تؤثر على السياسات التي تعتمدها الجهات الخارجية ومنظمات التنمية الدولية والإقليمية تجاه البلد من جهة أخرى. وهي مقومات تتغير مع الزمن القصير أو البعيد وتتغير معها الهوية الاقتصادية.
الفصل الثاني: الهوية الاقتصادية لسورية منذ الاستقلال
لم تكن لسورية هوية اقتصادية واضحة إلا في السنوات العشر الأولى بعد الاستقلال، حين تبنت الدولة في تلك الفترة اقتصاد السوق الحر في توزيع الموارد وريادة البرجوازية الوطنية في الاقتصاد الوطني، مع المنافسة في العملية الإنتاجية والانفتاح على الخارج تجارةً واستثماراً والحفاظ على المركزية في الإدارة.
وقد اعتنت الدولة في هذه الفترة بالزراعة والصناعة الاستهلاكية، وبرزت في الزراعة مجموعة "اصفر ونجار" شمال شرق البلاد التي أدخلت المكنة الحديثة إلى الزراعة، وبرزت الشركات المساهمة التي أقامتها البرجوازية الوطنية في الصناعة في كل من دمشق وحلب. وتدخلت الدولة في إقامة المرافق العامة وفي حماية الصناعة الوطنية وابتعدت عن المديونية الخارجية، ولكن بقيت مناطق ريفية كبيرة في عمق البلاد متخلفة كمنطقة الفرات، كما بدأت الحكومة بإرساء قواعد العمل المصرفي، مفسحة المجال للتواجد المصرفي الخارجي.
وقد تم في بدايات هذه الفترة انفصال سورية من الوحدة الجمركية مع لبنان، لرغبتها باستمرار ليبرالية الاقتصاد مع حماية صناعتها الوطنية وزراعتها، بينما رغب لبنان باعتماد اقتصاد السوق الحر بالمطلق .وقد تلا انفصال سورية الجمركي عن لبنان بناءها مرفأ اللاذقية للاستعاضة عن مرفأ بيروت كما تم في هذه الفترة اعتماد دستور البلاد في العام 1950 الذي ضمن الحريات العامة للمواطن والمساواة بين أفراده، وصان الملكية الخاصة ودعى إلى العدالة الاجتماعية.
وفي أواخر الخمسينات بدأت سورية تتجه نحو تدخل الدولة المباشر في الاقتصاد، متأثرة بالنهج السوفياتي المتصاعد عالمياً، فاعتمدت قانون الإصلاح الزراعي الذي وضع سقوفاً منخفضة على الملكيات الزراعية الخاصة، ثم بدأت بتبني النظم الاشتراكية، فأممت جميع المصارف العاملة وعدد كبير من المنشآت الصناعية الرائدة، وفرضت القيود على خروج الأموال من البلد وهمشت دور المصرف المركزي وتخلت عن السياسة النقدية لصالح السياسة المالية، وبدأت بالاتجاه نحو إعداد الخطط الاقتصادية الخمسية. وقد تعزز هذا التوجه خلال اتحاد سورية مع مصر في ظل الجمهورية العربية المتحدة.
وعند انفصالها عن مصر في أيلول 1961 تخلت سورية عن اشتراكيتها الجديدة، فتراجعت عن التأميم وأعادت أولوية القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني. لكن هذا لم يدم طويلاً، حيث عادت سورية إلى اعتماد اشتراكية أكثر صلابة حين وصل حزب البعث العربي الاشتراكي إلى السلطة في العام 1963، منقلباً على النظام الحر والطبقة المدينية، مقيماً دولة الحزب الواحد، بقيادات من أصول ريفية، معتمداً التوجه الاشتراكي ومعتبراً القطاع الخاص قطاعاً ابتزازياً مشكوك بولائه للوطن.
فبدأ الحزب بتوسيع ملكية الدولة لعوامل الإنتاج، بموجب ما سمي وثيقة البرنامج المرحلي لثورة 8 آذار، ومؤمماً في العام 1965 حوالي 115 شركة خاصة دفعة واحدة، تاركاً حيزاً صغيراً للبرجوازية الصغيرة الصناعية والتجارية في المدينة، وحيزاً صغيراً أخراً للملكية الزراعية الخاصة في الريف، مع احتكار الدولة شراء المحاصيل الرئيسية من الفلاحين من خلال أسعار تحددها هي، كما حافظت على احتكارها في توفير البذور والسماد والتمويل للمزارعين والفلاحين وأقامت ما سمي باتحاد الفلاحين.
وحين جاءت "الحركة التصحيحية" بقيادة حافظ الأسد في العام 1970 خففت الدولة من التوجه الأيديولوجي السابق، حيث أوقفت التأميم ولكن أقامت شبكة واسعة من مؤسسات القطاع العام الاحتكارية في كل من الصناعة والتجارة بقيادات علوية المذهب، ووسعت النافذة للقطاع الخاص ضمن حدود صغيرة. وقد أكد دستور 1973 هذا التوجه، معتمداً التخطيط المركزي ومعداً خططاً تنموية خمسية تراوحت بين آليات التخطيط وبعض آليات السوق في توزيع الموارد. وفي تحديدها للقطاع الخاص تركت حيزاً له في قطاعات اقتصادية معينة وحيزاً للقطاع المشترك في قطاعات أخرى.
وفي هذا كله اعتمدت الدولة عقداً اجتماعياً غير مكتوب مع المواطن، تسعى الدولة فيه لعب دولة الرعاية من خلال السعي لتحقيق العمالة الكاملة والحفاظ على أسعار سوق منخفضة، وتوفير الخدمات التعليمية والصحية، مقابل تنازله عن حقوقه المدنية، لكن هذا العقد بدأ ينهار تدريجياً بسبب تدني موارد الدولة وتعاظم الفساد في مؤسساتها، مع حفاظ الدولة على تغافلها لحقوق المواطن المدنية.
أما بالنسبة للانفتاح على الخارج فقد تم تقييد الاستيراد والسماح بالتصدير ولكن بعد تأمين احتياجات السوق المحلي، وثم وضع قيود على دخول الاستثمارات الخارجية، باستثناء النفط. ولكن بينما استفادت الدولة من المساعدات والقروض التنموية العربية التي تدفقت على سورية على أمل امتناع سورية عن تصدير اشتراكيتها، أحجم الاستثمار الخليجي المباشر عن دخول سورية بسبب اشتراكيتها، فخسرت سورية بذلك ما كان ممكن أن تساهم به هذه الاستثمارات في نمو سورية وفي خلق فرص كبيرة للعمالة فيها.
ولكن في النصف الأول من الثمانينات اعتمدت الدولة سياسة توسعية استهلاكية غير منضبطة، مولتها من قبل البنك المركزي، بعيداً عن الشفافية والمساءلة، ومستفيدة من الدعم المالي العربي الذي تقرر لها في مؤتمر بغداد "للصمود والتصدي" في العام 1978 بعد قرار مصر الانفتاح على إسرائيل. وقد تلى هذه السياسة التوسعية وقف المساعدات الخارجية العربية بعد بضع سنوات لأسباب سياسية، فوقعت الدولة في أزمة اقتصادية خانقة في منتصف الثمانينات قاربت على إفلاسها. وقد برز نتيجة الأزمة مقترحين متناقضين، احدهما يدعو إلى لبرلة الاقتصاد والثاني يدعو إلى المزيد من التشدد وتقليص الاستيراد كما جاء في مؤتمر "الأبداع الوطني والاعتماد على الذات" الذي أقامه الاتحاد العام لنقابات العمال في تشرين الثاني 1987. ومقابل هذا التقرير أعددت وقدمت بنفسي تقريراً للقيادة السياسية يدعو إلى اعتماد اقتصاد السوق الاشتراكي وفتح المجال للتعددية الاقتصادية من خلال أشراك القطاع العام والخاص والمغترب في الاقتصاد.
لكن سورية اعتمدت حلاً وسطاً يضمن الاستمرار بنظام التخطيط المركزي مع إدخال بعض الانفتاح، مهدرة بذلك فرصة تاريخية بالتخلي عن الاشتراكية وتبني هوية اقتصادية جديدة تعتمد على التخطيط التأشيري وعلى اقتصاد السوق في توزيع الموارد. ولكن بالنهاية ما اخرج الاقتصاد من الأزمة كان إنتاج النفط الذي تم اكتشافه في أوائل الثمانينات وبدء تصديره في العام 1989، متلازماً مع إصلاحات اقتصادية محدودة تشمل إدخال ما سمته "القطاع المشترك" في الزراعة بداية وبعده في السياحة وثم في الصناعة، راضية بهيمنة القطاع الخاص في ملكية القطاع المشترك الجديد وفي إدارته.
وفي منتصف العام 2005 قررت الدولة بالتشارك مع الحزب الحاكم التخلي عن الاشتراكية رسمياً واعتماد "اقتصاد السوق الاجتماعي"، وهو ما كان يجب أن تفعله قبل 20 سنة حين وقعت أزمة منتصف الثمانينات، ولكن تبنيها للاقتصاد الجديد جاء من دون تحديد كيفية التوفيق بين دور السوق ودور الدولة. وقد شكل هذا القرار تغييراً جوهرياً في الهوية الاقتصادية السورية، بحيث اصبح القطاع الخاص يولد حوالي 67% من الناتج المحلي الإجمالي ويساهم بحوالي 55% من الاستثمار ويوظف حوالي 70% من العمالة، مما رفع معدلات النمو إلى حوالي 5% في العام 2010. لكن الحومة أخطأت بعد هذا القرار بإلغاء أدوات الحماية الاجتماعية القائمة، دون إدخال برامج الحماية الاجتماعية المعتمدة عادة في اقتصاديات السوق، مثل برامج الضمان الصحي والتعويض عن البطالة.
ثم جاء دستور 2012 الذي تم اعتماده مع بداية الحرب، ليتخلى عن مبدأ "اقتصاد السوق الاجتماعي"، دون أن يعطي الاقتصاد هوية جديدة، مركزاً على زيادة الإنتاج وخلق فرص العمل، تاركاً الاقتصاد عرضة لسياسات الحكومات المتعاقبة. وكان التخلي عن اقتصاد السوق الاجتماعي سببه اعتبار لبرلة الاقتصاد كان وراء الانفجار السياسي والاجتماعي الذي حدث في العام 2011.
وخلال الحرب الأهلية تم تغيير كبير في الهوية الاقتصادية بدءاً بالدمار الشامل في البني التحتية والإنتاجية والتعليمية والصحية، وخسارة 90% من الحقول النفطية وتحول سورية من دولة مصدرة للنفط إلى دولة مستوردة له، مما أثر على مصادر دخل الدولة ومصادر البلاد من القطع الأجنبي واستنزاف في رأس المال البشري بسبب نزوح نحو 6.3 مليون سوري خارج البلاد يمثلون غالباً الفئات الأكبر تأهلاً وتعليماً، وثم تشرذم الدولة والمجتمع من خلال ظهور أربعة[2] حكومات منفصلة عن بعضها، معتمدة كل منها هويات اقتصادية مختلفة متأثرة بالموارد الطبيعية والبشرية والمالية المتوفرة لديها وبعلاقاتها الخارجية وبمخاطرها الداخلية والخارجية. وتضمنت هذه الهويات فيما تضمنت تبدلاً في مصادر الدخل والعمالة باتجاه النهب والسرقات والابتزاز والرشوة على حساب دخل الزراعة والصناعة، وظهر مع الدخول الجديدة منتفعين وأمراء حرب في الحكومات الأربع.
كما تدهورت الموارد الطبيعية والمائية للبلاد وساء استخدامها، وتعزز ذلك بالزلزال الذي وقع في شمال البلاد في أوائل العام 2023 الذي قدرت خسائره ب 5 مليارات دولار، كما تقلص الأداء الاقتصادي في كل من موقع الإدارة الحكومية الرئيسية وفي مواقع الإدارات السياسية المنفصلة وغابت أية استراتيجية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، وتغيرت أنماط الاستهلاك مع تغير مصادر الدخل وازداد الفقر والبطالة والفساد في كل المواقع وغاب الأمن الغذائي، كما تقلصت التجارة داخل البلد الواحد لصالح التجارة الرسمية وغير الرسمية مع الدول المجاورة، وازداد الاستيراد بينما انخفض التصدير وازداد التهريب السلعي من وإلى سورية، كما ازداد التمويل بالعجز في ميزانية الدولة وانخفضت السيولة في الاقتصاد الوطني وتعاظمت الحاجة للمساعدات الإنسانية. ولكن مقابل هذه السلبيات ازدادت التحويلات الخاصة من المغادرين والمغتربين الموجهة إلى عائلاتهم في الداخل، مشكلة عنصراً رئيسياً في الدخل القومي. كما قامت الدولة خلال الأزمة بالتعويض عن انخفاض دخلها بمصادرة أموال وعقارات عدد من كبار أمراء الحرب الموالين لها.
ومن جهة أخرى عانت البلاد من الأزمة المصرفية في لبنان حيث تم تجميد ودائع سورية كبيرة في مصارفها وتوقف لجوء رجال الأعمال السوريين للاستيراد عبرها.
وقد بلغ انكماش الناتج المحلي الإجمالي الرسمي بأكثر من 50%، ليتدنى نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي إلى حدود 830 دولار أميركي في العام 2024 (دون احتساب الاقتصاد غير الرسمي)، كما تم استنزاف البلاد لاحتياطاتها الأجنبية وزادت ديونها الخارجية. وقد نقل عن البنك المركزي قوله أن إجمالي ديون سورية بلغت حوالي 27 مليار دولار في نهاية العام 2024، منها ديون خارجية بحدود 3 مليار دولار (غير متضمنة ديون إيران) وديون داخلية بحدود 4 مليارات دولار في العام 2025 وشكلت هذه الديون نسبة عالية بلغت 24% من الناتج المحلي الإجمالي ولكن الأزمة فتحت المجال ولأول مرة لشعور المواطنين بحقوقهم السياسية والاجتماعية بعد غياب هذه الحقوق خلال الفترة البعثية/الأسدية.
وإذا نظرنا إلى الاشتراكية التي اعتمدناها خلال الـ 40 سنة الماضية فقد حققت هذه الاشتراكية نمواً في بعض السنوات ونمواً مميزاً في سنوات أخرى، ولكنها لم تقلل في فوارق الدخل بين المواطنين، كما لم تقلل من فوارق التنمية بين المحافظات، ولم تحقق تطوراً تكنولوجياً في الاقتصاد كما ولم تحقق زيادة في الإنتاجية من خلال زيادة عوامل الإنتاج (Total Factor Productivity) بسبب غياب التكنولوجيا المتطورة التي لم تسعى إليها.
وقد اعتمدت اشتراكية سورية على التخطيط المركزي وهيمنة القطاع العام في الإنتاج الوطني وفي التكوين الرأسمالي، مع السماح لدور للقطاع الخاص في النشاط التجاري والخدمي وفي تملك الحيازات الصغيرة في الزراعة، كما سمحت لتغلغل المقربين من السلطة إلى معظم القطاعات اقتصادية وتغلغل الفساد السياسي والإداري معهم. كما وإن عدم سعي القطاع العام للربح والمنافسة وتقلص إنتاجه مع تغلغل الفساد إلى كافة قطاعاته الاقتصادية جعلت منه قطاعاً خاسراً مثقل تكنولوجية قديمة وعمالة فائضة وخبرات متدنية وفساد لا يوصف، لا بل أصبح عبئاً على مالية الدولة العامة التي غطت خسائره. ولئن حقق بعض العدالة من خلال توظيفه الاجتماعي، لكن ذلك نقل البطالة من الشارع إلى المصنع رافعاً من كلفة إنتاجه.
كذلك عمدت الحكومة خلال سنواتها الأخيرة إلى تقليص إنفاقها على الصحة والتعليم، وتقليص دعمها السلعي للمواد الغذائية الأساسية، مما أثر على حياة المواطن، وشكل من حيث الموقع انسحاباً من العقد الاجتماعي غير المعلن الذي كانت قد عقدته مع المواطن والذي اشرنا إليه أعلاه.
وكان كل ما جاء أعلاه بالنسبة للأداء الاشتراكي منفصلاً عن أية شفافية أو محاسبة من قبل أي من مجلس الشعب أو المجتمع المدني أو الحزب نفسه، وهو "القيم على الدولة والمجتمع"، حسب ما جاء في دستور عام 1973.
وبالمحصلة فقد أدى تحجيم دور القطاع الخاص إلى خسارة مساهمته في الإنتاج الوطني وفي خلق فرص العمالة وفي دعم ميزانية الدولة العامة من خلال الضرائب والرسوم، وفي الارتقاء التكنولوجي فضلاً عن أثره الاجتماعي وعلاقته بالمجتمع المدني.
مجيء الإدارة الجديدة إلى السلطة
وحين جاءت الإدارة السياسية الجديدة إلى الحكم وأزالت مؤسسات الحكم القديم وحزبه الحاكم، وجدت نفسها أمام مجتمعاً مفككاً ومنغلقاً، وإدارة مترهلة وفاسدة، وخزينة فارغة ودولة فاقدة لسيادتها، فشكلت حكومة جديدة وأخذت قرارات وتشريعات ومؤسسات شكلت بوادر هوية اقتصادية جديدة ليبرالية الملامح. ولكن تم اتخاذ هذه القرارات والتشريعات والمؤسسات دون دراسة كافية ومن دون استراتيجية تنموية، وتم ربط معظمها برئاسة الجمهورية.
وكان أول هذه القرارات تبنيها اقتصاد السوق في توزيع الموارد أولاً من خلال اعتماد "اقتصاد السوق الحر التنافسي" بدلاً من "اقتصاد السوق الاجتماعي" الذي كان قد تم اعتماده في منتصف العام 2005، وثانياً من خلال أولوية القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني، وثالثاً من خلال الانفتاح على الخارج تجارةً واستثماراً. وقد تم اتخاذ هذه القرارات من دون التشاور مع المجموعات الاقتصادية ذات الصلة ومع المجتمع المدني، ومن دون تلازمه مع تحديد أوليات القطاعات الاقتصادية المختلفة، ودون توضيح استراتيجية محددة للتنمية ودور الدولة فيها، لكن الرئيس أعلن في أيار 2025 "بدء المعركة ضد الفقر" الذي بلغ حوالي 69%، ودعى إلى المساعدة في جمع التبرعات من الداخل والخارج لدعم جهود الدولة ولكنه اخطأ برفع أسعار الخبز والغاز المنزلي والكهرباء والاتصالات.
وبعد اعتماد السلطة "اقتصاد الحر التنافسي"، أقامت صندوقين: الأول بأسم "صندوق التنمية" والثاني سمته "الصندوق السيادي السوري"، معتمدة في تمويلهما على المساعدات الداخلية والخارجية ورابطتهما برئيس الجمهورية. وقد غطى المرسوم الأول نشاط القطاع الخاص، بينما أتاح المرسوم الثاني للدولة الدخول في مشاريع إنتاجية، "تحاشياً للاستدانة" كما جاء في نص المرسوم. ثم أقامت الإدارة الجديدة "الهيئة العامة للمنافذ والجمارك" و"اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير" وذلك للسيطرة على حركة الشحن والنقل عبر منافذ الدولة والمرافئ البحرية، ساحبة من خلالهما الصلاحيات من المؤسسات الحكومية الرسمية ذات الصلة. وقد تم ربط هاتين المؤسستين برئاسة الجمهورية كذلك
كما أحدثت الإدارة الجديدة "المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية" ضمن تعديلها لقانون الاستثمار رقم 18 العام 2021، مانحة المزيد من الضمانات والحوافز للمستثمر المحلي والأجنبي، وهو المجلس المتوقع إعداده لاستراتيجية التنمية المستقبلية. وأصدرت الإدارة الجديدة كذلك قانوناً جديداً للدخل دون دراسة كافية، حيث تم بموجبه فرض معدلات ضريبية منخفضة إلى الحد الذي يهدد موارد الدولة المستقبلية، كما أقامت لجنة وطنية "لمكافحة الكسب غير المشروع والفساد واستعادة الأموال"، دون تحديد مرجعتها وحدود صلاحياتها والجهة المسؤولة عن محاسبتها. كما قامت الإدارة، تحت عنوان إعادة الهيكلة، بإنهاء خدمة موظفين في مؤسسات الدولة وتعيين أخرين إما موالين لها أو منتمين لخطها العقائدي.
لكن معظم هذه القرارات لم يتم تنفيذها بعد وما تم تنفيذه لم تظهر ثماره على الأرض ومن المرجح أن تتعرض هذه القرارات للتعديل أو الإلغاء في المستقبل القريب أو البعيد نظراً للسرعة في أعدادها وعدم القدرة على تنفيذ معظمها لضعف الإدارة الحكومية التنفيذية. كما وإن الاستثمارات الخارجية العامة والخاصة التي تم الحديث عنها بالإعلام أو من قبل أعضاء في الحكومة لا توحي بأنها نابعة من استراتيجية تنموية، والعديد منها لا يعدو كونه "مذكرات تفاهم"، شملت مشاريع خاصة عقارية وسكنية وسياحية، ومشاريع بني تحتية شملت النقل الجوي والموانئ البرية والبحرية والطاقة ونقل التكنولوجيا، وبعضها مدفوع من اعتبارات سياسية، مما يشير إلى احتمال تأثير العلاقات والسياسات الخارجية في رسم هوية الاقتصادية المستقبلية لسورية. كما وان بعض هذه الاستثمارات تعتبر احتكارية، روادها مقربون من السلطة، وبعضها مشاريع عقارية طرحتها مجموعات سورية مغتربة تشمل إقامة أبراج سكنية ضخمة لصالح الطبقات الغنية.
وبرز مؤخراً الكلام عن مشروع بناء عاصمة إدارة جديدة لسورية، (على غرار ما تم إقامته في مصر)، وذلك غربي دمشق ما بين السومرية والمعظمية، على مساحة 1900 كم2. وهو مشروع يخدم المنطقة التي ستقام فيها ويسهل العمل بين وزارات الدولة المختلفة، كما يسهل تعاون المواطنين معها، وسيتضمن المشروع من حيث الواقع تحولاً ديموغرافياً وسكانياً واقتصادياً كبيراً، وسيسحب المشروع الكثير من الأموال والقدرات البشرية المخصصة لعملية إعادة الأعمار وأولوياتها.
وتؤكد كامل المشروعات أعلاه غياب الاستراتيجية التنموية للدولة وغياب الحوافز لجذب الاستثمار الخارجي كما الداخلي إلى القطاعات والمشاريع التنموية ذات الأولوية.
الفصل الثالث: الهوية الاقتصادية المرجوة
اعتمدت الدولة فترة خمس سنوات انتقالية تم خلالها حتى الأن إصدار تشريعات وإقامة مؤسسات اقتصادية ومالية ثم ذكر معظمها أعلاه، وستشكل هذه التشريعات والمؤسسات وما سيتعدل منها ملامح الهوية الاقتصادية الجديدة لسورية، كهوية من المتوقع أن تكون إنتاجية ليبرالية تنافسية غير ريعية منفتحة على الخارج تجارياً واستثمارياً، كما تم ذكره أعلاه.
لكن هناك مقومات عديدة من مقومات الهوية لم يتم التعامل معها بعد، حيث لم توضع بعد استراتيجية للتعافي وإعادة الأعمار وللتنمية الشاملة، ولم يتم تحديد الأولويات القطاعية الاقتصادية ومنها مكانة قطاع الطاقة المتجددة وقطاع المعرفة والبرمجيات فيها، كما لم تبذل جهوداُ كافية لتحسين الظروف المعيشية وأهمها البطالة والفقر والتضخم وعجوزات النفط والكهرباء والغذاء، ولم يتم الكلام عن كيفية سد الفجوات بين الدخول والفجوات التنموية بين المناطق وبين الريف والحضر، ولم يتم اعتماد حوكمة رشيدة ومساع جدية لمكافحة الفساد السياسي والإداري.
كما لم يتم العمل على بناء الدولة وتغيير عقلية الإداريين الحكوميين واعتماد الكفاءة والجدارة والقيم الأخلاقية في أدائهم والخروج التام من منطق الثورة إلى منطق الدولة، وهو ما لا يقل أهمية عن التعافي الاقتصادي وإعادة الأعمار. كما لم يتم إرفاق الحوكمة بإعادة هيكلة مؤسسات الدولة، المركزية والمحلية، بعدما سادها الترهل والفساد، مما افقدها القدرة على التخطيط والتنفيذ.
ولتحديد المقومات الواجب اعتمادها في الهوية الاقتصادية الجديدة وهي كثيرة وتكاثرت مع الانتكاسات الاقتصادية والسياسية القديمة والحديثة، حتى صعب اختيار أولوياتها، ومع ذلك فقد اخترنا واحد وعشرين أولية اقتصادية وسياسية نعتقد بوجوب اعتماد بعضها فوراً وبعضها الأخر تدريجياً وما بعد ذلك. والأولويات المختارة هي: أولاً تحقيق الاستقرار الأمني والسياسي في كافة أنحاء البلاد وثانياً بناء المجتمع الذي مزقه النزاع ومعه بناء الدولة وتوحيد مؤسساتها، مع بناء عقد اجتماعي جديد، وثالثاً التأكد من قدرة الرئاسة على توحيد البلاد تحت سلطة أمنية وعسكرية واحدة، وقدرتها على إدارة وإصلاح مؤسسات البلاد، ورابعاً إعادة أحياء مؤسسات الدولة التنظيمية والتشريعية والقضائية واعتماد الحوكمة وسلطة القانون في تسيير شؤون البلاد والقيام بالإصلاح الإداري والمؤسسي، مركزياً ومحلياً، بما فيه اعتماد اللامركزية الإدارية والاستثمار في رأس المال البشري، وخامساً وإعداد رؤية اقتصادية واستراتيجية تنموية واضحة، تبدأ بتحسين الوضع المعيشي وبدمج الاقتصاد بالاقتصاد الإقليمي والعالمي، وسادساً مراجعة العديد من التشريعات التي تم إصدارها والمؤسسات الاقتصادية التي تمت إقامتها حتى الأن والبحث في كيفية اعتمادها على الذكاء الاصطناعي، وسابعاً استعادة رؤوس الأموال والخبرات التي غادرت والإسراع بعملية التعافي والبدء بعملية إعادة الأعمار والتوزيع العادل في المشروعات بين المحافظات وذلك لتحسين الوضع المعيشي وزيادة فرص العمل من جهة، ولسد الطريق على عودة المتطرفين وعلى عودة كل من الاستبداد الداخلي والمستعمر الخارجي وثامناً تحريك الاقتصاد واعتماد الشفافية في إدارته، مع إرفاقه بالعدالة الاجتماعية وتحسين أطاره الكلي مالياً ونقدياً وسعرياً وتحسين إدارة الإنفاق العام مع تحسين مناخ الاستثمار وتقليص كلفة الأعمال وتاسعاً ورفع سوية القطاع الخاص تنظيمياً وتكنولوجياً من قبل الحكومة ومن قبل القطاع الخاص نفسه وعاشراً تعبئة أموال وخبرات المغتربين السوريين في الأمريكيتين وفي أوروبا والخليج، من خلال إقامة صندوق ائتماني خاص في الأردن، وليس في لبنان الغارق في أزمته المصرفية، بحيث يجذب الصندوق ودائعهم ويحول هذه الودائع إلى مشاريع إنتاجية وخدمية، وحادي عاشر تحسين الحوكمة الاقتصادية التي تتضمن اعتماد السياسات والأنظمة والمؤسسات التي تقرر التعافي الاقتصادي وإعادة البناء وثاني عشر تعزيز القدرات المحلية الإدارية والاقتصادية والبشرية، مع الإقرار بحتمية اللجوء إلى المعونات المالية والتقنية الخارجية بسبب عدم كفاية القدرات المحلية، وثالث عشر جعل العلم والتكنولوجيا جزءا لا يتجزأ من عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بدءاً ببناء القدرات التكنولوجية الوطنية من خلال إنشاء وتطوير منظومة البحث والتطوير والابتكار وإقامة الحدائق التكنولوجية، ورابع عشر الانطلاق بمسار العدالة الانتقالية التي من شأنها منع إعادة إنتاج ممارسات الفساد والاحتكار الذي شهده العهد القديم، مع السعي للمصالحات الوطنية. وخامس عشر اعتماد رؤية تسمح ببناء اقتصاد أخضر صديق للبيئة يتعامل مع تحديات التغيير المناخي وما تشهده البلاد من جفاف وحرائق خاصة بالساحل وبشكل متكرر، وسادس عشر محاربة الفساد السياسي والمالي والإداري في القطاعين العام والخاص، مع تفعيل ورفع سوية كفاءة القضاء وسابع عشر الإسراع بالسماح بإقامة الأحزاب والقطاعات والجمعيات الحرة، مع تقليص الفترة الانتقالية إلى ثلاث سنوات، والبدء بإعادة هيكلة مؤسسات الدولة وثامن عشر أحياء الصناعة الوطنية، ومعها دعم الصناعات التقليدية بصناعات الطاقة المتجددة وصناعات المعرفة والبرمجيات، مع توفير الحماية للقطاع الصناعي، مشروطة بتطوير الصناعة لنفسها تنظيمياً وتكنولوجياً، والتوزيع العادل للمشروعات الصناعية بين جميع المحافظات، وتاسع عشر رفع سوية الزراعة والريف وحماية حقوق الفلاحين والمزارعين وأصحاب المشاريع الصغيرة والعشرين تشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر وما يجلبه هذا الاستثمار من تكنولوجيا الإنتاج والإدارة، مع السعي لمشاركته مع الاستثمار المحلي، وواحد والعشرين العمل على التوظيف والترفيع في الحكومة على أساس الجدارة Meritocracy لا على أساس الولاء، مع رفع رواتب الموظفين بحيث تتناسب رواتبهم مع كلفة المعيشة ومع حماية حقوق العمال.
ولا يستطيع المراقب إلا أن يقدر حجم وعمق التحديات العديدة أعلاه وحاجة بعضها للتنفيذ فوراً وأخرى حاجتها إلى سنوات عديدة لمعالجتها وقطف ثمارها، ولكن من الضروري سرعة البدء بالتنفيذ لظهور بعض ثمراتها، مما يساعد على بناء الثقة بين المواطن والدولة، مع ادراك حاجة التنفيذ للأموال والقدرات البشرية الداخلية والخارجية.
ولكن من الضروري التأكيد انه لا يمكن السير بعيداً بتحديد الهوية الاقتصادية المستقبلية واعتماد السياسات الاقتصادية المناسبة، دون توضيح معالم الهوية الوطنية ونظام الحكم الجديد[3]، الذي جاء بخلفية إسلامية ومارسها بأفعاله ويتطلب توضيح معالم الهوية الوطنية إنهاء التصنيفات المذهبية والطائفية وتحقيق السلم الأهلي وتعزيز التماسك الاجتماعي وتعزيز المصالحة الوطنية والتعامل الجدي مع تبعات المجازر التي حصلت في الساحل وفي السويداء في منتصف العام 2025، وكما الوصول إلى تسويات سياسية مع الإدارة الدرزية في السويداء والإدارة الكردية في شمال شرق سورية، وإدخال العناصر البشرية من غير السنة في هياكل الدولة مركزياً، علماً أن تجاوز التوترات الأثنية والعرقية بشكل مستدام يتطلب سنوات من العمل.
وقد شكل إصدار المرسوم الرئاسي رقم 13 في 6 كانون الثاني 2026، خطوة إيجابية نحو تجاوز التوترات الأثنية والطائفية كما نحو تحقيق السلم الأهلي في البلاد، حيث اعترف المرسوم بحقوق المكون الكردي واعتباره جزءاً لا يتجزأ من الشعب السوري والتزام الدولة بحماية تنوعه الثقافي واللغوي. ولكن يجب اتباع المرسوم بمرسوم أخر يؤكد الاعتراف بحق منطقة شمال شرق سورية الغنية بالمكون الكردي بحصة من مواردها النفطية والزراعية، كما وحمايتها من خطر داعش القريب منها، خاصة بعد بدء خروج القوات الأميركية من سورية باستثناء ثلاثة قواعد عسكرية في الوقت الحاضر، كما يتوجب عمل الأكراد انفسهم من جهة أخرى على توحيد الأجهزة السياسية التي تمثلهم وهي مجلس سورية الديموقراطية وإدارتها الذاتية (قسد) من جهة، والمجلس الوطني الكردي وحزب الاتحاد الديمقراطي من جهة أخرى، علماً أن هذه الجهات قد اتفقت فيما بينها مؤخراً على التفاوض مجتمعة مع الحكومة السورية. ولكن يجب تلازم التقارب بين الجهات السياسية مع توافق مجتمعي كردي على أرض الواقع.
وبالنسبة للسويداء فقد جاءت الأخبار الأخيرة حول مفاوضات تجري بين الحكومة السورية والمرجعيات الروحية في السويداء كخطوة أخرى نحو تعزيز التماسك الاجتماعي ووحدة البلاد.
وبعد النجاحات في المقومات أعلاه يسهل السعي لتعزيز الوحدة الوطنية وتوحيد البلاد جغرافياً واقتصادياً، واستعادة الحكومة الشرعية لنفطها وقمحها المتمركزين في شمالي وشرقي البلاد، والعمل على العودة الطوعية اللاجئين واتخاذ الخطوات اللازمة لبناء دولة ديموقراطية تشاركية، تتعزز فيها مبادئ الحوكمة والمواطنة.
وسنساعد هذه الخطوات على توحيد البلاد بعد استعادة الدولة السيطرة على الجزيرة السورية وغرب الفرات يعد خروج قوات قسد منها، كما سنساعد الخطوات أعلاه في بناء الهوية الوطنية والهوية الاقتصادية، بما فيها السعي لمواجهة التحديات العديدة المذكورة أعلاه، والتعامل مع الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية التي تراكمت عبر السنين، فضلاً عن مواجهة التدخلات السياسية الخارجية.
ولكن لا بد من الإشارة إلى أن مع تلازم التفاؤل بالتغيير وهناك هواجس عديدة على طريق مستقبل الهوية الاقتصادية والوطنية السورية، ومن هذه الهواجس الخشية من تعاظم التوجه الديني، والخشية من تعاظم دور الرئاسة في التشريعات والمؤسسات المحدثة وسيطرتها على السلطات التشريعية والقضائية رغم الكلام عن فصل السلطات في الدستور المؤقت، مما يحمل مخاطر التحول نحو دكتاتورية دينية تحل محل الدكتاتورية الأسدية / البعثية، والخشية من بروز اقتصاد حر احتكاري تقوده نخبة حاكمة وتغيب عنه الحماية الاجتماعية، والخشية من استمرار تهميش أدوار بعض المجموعات الأثنية والدينية، ومعه الخشية من تفكيك سورية إلى كانتونات طائفية وأثنية، والخشية من عدم الإشارة إلى الديموقراطية في خطاب الدولة الرسمي، والخشية من فشل مكافحة الفساد مركزياً ومحلياً ومن طول المرحلة الانتقالية.
إضافة إلى الهواجس أعلاه لابد الإشارة إلى وجود شعور بعدم اليقين لدى المواطن في كيفية تعامل الدولة مع مقومات الهوية الوطنية والهوية الاقتصادية وشعوره بأن صناعة القرار الاقتصادي والسياسي مرتبط بيد فئة مقربة من رئاسة الجمهورية، وشعوره باحتمال وجود حكماً موازياً داخل مؤسسات الدولة الرسمية من دون شفافية ومساءلة. وما يعزز الشعور بعدم اليقين هو عدم صوابية معظم القرارات والمؤسسات التي أقيمت حتى الأن وسرعة اتخاذها، والتغاضي عن مواجهة القضايا أساسية العديدة التي تم ذكرها أعلاه.
أخيراً وللتمكن بالسير نحو تحديد الهوية الاقتصادية ومتطلباتها يتوجب توفر الإحصائيات التفصيلية الموثوقة حول الاقتصاد الوطني وإطاره الاقتصادي الكلي وموارده ونفقاته وقطاعاته المختلفة وسهولة الحصول إليها، كما حول قضايا المجتمع المركزي والمحلي في كل محافظة، وهي الإحصائيات التي غابت خلال الأزمة.
وقد يفيد قيام المكتب المركزي للإحصاء بالتعاون مع القطاع الخاص والمجتمع المدني بإعداد دراسة مستفيضة عن الوضع المعيشي وعن الاحتياجات التنموية والمعمارية في كل محافظة، مركزياً ومحلياً، محددين حجم سكانها وتركيبتها الأثنية والدينية وتقييم قدراتها المالية والبشرية ومدى وجود منظمات مجتمع مدني فيها. وستساعد إعداد مثل هذه الدراسة على تحديد هوية اقتصادية واستراتيجية تنموية لكل محافظة في ظل الهوية الاقتصادية الأكبر للبلاد.
وأختم بالقول أن تحديد الهوية الاقتصادية السورية ومعها هويتها الوطنية ضرورة استراتيجية للتمكن من نهوض البلاد وتعزيز تماسكها الاجتماعي، من مواجهة عمليتي التعافي الاقتصادي وإعادة الأعمار ومن التعامل مع جهود وحدة البلاد وعودة اللاجئين ومواجهة التحديات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تراكمت عبر السنين.
[1] المدير التنفيذي للمكتب الاستشاري السوري للتنمية والاستثمار بدمشق والاقتصادي الرئيسي السابق في البنك الدولي في واشنطن.
[2] حكومة "الإنقاذ" في إدلب، والحكومة "المؤقتة" المدعومة من قبل الائتلاف / تركيا في شمال حلب، و"الإدارة الذاتية" في شمال شرق سوريا، وحكومة نظام الأسد
[3] الهوية الوطنية هي مجموعة الصفات والثقافات والقيم والعادات والروابط الاجتماعية والنظم الحكومية والدين واللغة والتاريخ والجغرافية التي تميز أمة عن غيرها